عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

70

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

ويدل على ذلك ، أن الآيتين جاءتا للتهديد والوعيد . وعلى هذا الغرار : يمكن القول في زيادة الألف ، في قوله : ( ولا أوضعوا خلالكم ) [ التوبة : 47 ] . السر فيه : الإيماء إلى أن هؤلاء المعتذرين المتخلفين من المنافقين لو خرجوا معكم لأكثروا من الإيضاع في الفتنة ، والإيضاع هو الإسراع ، ولجاوزوا الحد في هذا ، فتوافق الرسم والمعنى . وفي زيادة الياء في « بأييكم » أي : المجنون ، الإشارة إلى أن جنون المشركين بلغ الغاية وتجاوز الحد ، وأنهم المجانين ، لا أنت ؛ لأن مثلك يا محمد في رجاحة عقلك ، وعظم أخلاقك ، وسمو فضائلك ، لا يصح أن يرمى بالجنون ، فمن رماه به فقد رجع على نفسه بالجنون ؛ وبذلك يتوافق الرسم والمعنى . والكلام في ظاهره ترديد بين أمرين ، وهو في الحقيقة يراد به ما ذكرت ، وهو لون من ألوان الحجاج في القرآن ، يدل على غاية النصفة مع الخصوم ، ومثله قوله - سبحانه - : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] . مع اليقين أن النبي وأتباعه على الهدى ، وهم الذين في ضلال بين ظاهر . ويمكننا أن نقول أيضا في زيادة الألف آخرا ، في قوله تعالى : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [ يوسف : 85 ] والدلالة على كثرة ذلك ، وأن سيدنا يعقوب - عليه السلام - ما كان ينفك عن ذكر يوسف عليه السلام . وفي قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [ النحل : 48 ] . الدلالة على كثرة تفيؤ الضلال ، وعمومها لكل ذي جرم . وقوله : وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى [ طه : 119 ] الدلالة على دوام عدم الظمأ ، واستمرار الري لمن كان في الجنة . وقوله - سبحانه - : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ [ الفرقان : 77 ] . المبالغة في عدم اعتناء اللّه بمن لا يعبده ، ولا يتضرع إليه ، وكذلك زيادة الألف في لفظ الرِّبا ؛ ليتوافق الرسم والمعنى : فالربا زيادة بلا مقابل ، وهذه الألف أيضا بلا مقابل في التلفظ .